ها هي أيام الله تقترب وكلمات رسول الله صلى الله عليه واله في خطبته الرمضانية التي ألقاها في آخر جمعة من شهر شعبان وهو يحث ويبين عظمة هذه الأيام الإلهية، تلك الخطبة التي يجب على كل مؤمن موالي التمعن بمضامينها ويعيش معها بفكره ووجدانه حتى يعرف أنه مقبل على أيام لا مثيل لها.
” شَهرٌ هُوَ عِندَ اللهِ أَفضَلُ الشُّهُورِ، وَأَيَّامُهُ أَفضَلُ الأَيَّامِ، وَلَيَالِيهِ أَفضَلُ اللَّيَالِي، وَسَاعَاتُهُ أَفضَلُ السَّاعَاتِ. هُوَ شَهرٌ دُعِيتُم فِيهِ إِلَى ضِيَافَةِ اللهِ، وَجُعِلتُم فِيهِ مِن أَهلِ كَرَامَةِ الله. أَنفَاسُكُم فِيهِ تَسبِيحٌ، وَنَومُكُم فِيهِ عِبَادَةٌ، وَعَمَلُكُم فِيهِ مَقبُولٌ”.
وفي آخر هذه الخطبة المباركة يسأل مولاي أمير المؤمنين رسول الله صلى الله عليه واله عن أفضل الأعمال في هذا الشهر، فيقول رسول الله صلى الله عليه واله: ” يَا أَبَا الحَسَنِ! أَفضَلُ الأَعمَالِ فِي هَذَا الشَّهرِ: الوَرَعُ عَن مَحَارِمِ الله عزَّ وجلَّ “.
أيها الأحبة لا عبادة أفضل من الورع وهذا ما أكدته روايات رسول الله وأهل بيته عليهم السلام ..
فـ عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ” تَرْكُ لقمة الحرام أحبّ إلى الله من صلاة ألفي ركعة تطوعاً”.
وعن أمير المؤمنين عليه السلام: “غضّ الطرف عن محارم الله أفضل عبادة”.
ويتعدّى القبول ليشمل كافّة المعاملات مع أهل الورع فعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم:
“الصلاة خلف رجل ورع مقبولة، والهدية إلى رجل ورع مقبولة، والجلوس مع رجل ورع من العبادة، والمذاكرة معه صدقة”.
والورع عن محارم الله سبحانه لا يقلّ درجة عن التقرب إلى الله بالفرائض، فـ عن أبي عبدالله الصادق عليه السلام قال:
“فيما ناجى الله عزّ وجلّ به موسى عليه السلام يا موسى ما تقرب إليّ المتقربون بمثل الورع عن محارمي فإني أبيحهم جنات عدن لاأشرك معهم أحدا”.
وعن الإمام عليّ عليه السلام : “من أحبّنا فليعمل بعملنا وليستعن بالورع، فإنه أفضل ما يستعان به في أمر الدنيا والآخرة”.
وهذه قصة حدثت مع الشيخ الأنصاري ” قده ” تنفع في المقام .. كان للشيخ مرتضى الأنصاري ” قده ” زميل أيّام دراسته يدرسان معاً واتّفق في أحد الأيّام أنّهما لم يكونا يملكان أكثر من فلس واحد، فالتفت الزميل للشيخ الأنصاري وقال له هل توافق على أن نشتري بهذا الفلس رغيفاً من الخبز نصفه لك ونصفه لي فوافق الشيخ الأنصاري, وذهب ذلك الزميل إلى السوق ليأتي بالرغيف ولكنّه في طريق عودته صادف بائع دبس فقال له هل تعطيني بفلس واحد دبساً قرضاً، فوافق البائع وأعطاه الدبس فوضعه الزميل وسط الرغيف وعاد إلى الشيخ .
وعندما رأى الشيخ الأنصاري الدبس في الخبز سأله مستغرباً من أين لك بثمن الدبس ولم يكن عندنا سوى فلس واحد؟ فقال أقترضته من بائع الدبس.
وهنا التفت الشيخ الأنصاري إلى زميله وقال وهل تضمن بقاءك حياً لتفي له؟ وما كان ينبغي لك أن تفعل هذا؛ لأنّ رغيف الخبز وحده كان سيشبعنا أيضاً.
فرفض الشيخ أن يأكل من الدبس وأكل من أطراف الخبز التي لم يمسّها الدبس وترك الباقي لزميله.
مضت الأيام حتى انقضت على هذه الحادثة ثلاثون سنة وعاد زميل الشيخ الأنصاري من إيران إلى النجف الأشرف وكان الشيخ الأنصاري يومذاك مرجعاً كبيراً وعندما التقى الزميل بالشيخ الأنصاري وهو يهم بالخروج من حرم أمير المؤمنين سلّم عليه وخاطبه بلهجة الصديق القديم ما ضرّ لو استمرّت رفقتنا؟ كيف بلغت أنت هذا المقام السامي في حين إني لم أبلغ شيئاً؟
فالتفت إليه الشيخ الأنصاري وأجابه بلهجة الصديق القديم والممازح ربما لأني تخلّيت عن ذلك الدبس ولم تستطع أنت التخلّي عنه.
هذا هو الورع وهذا هو معنى اجتناب الشبهات والاحتياط في الدين البعض يظن بأن الورع قد يفوت عليه مصالحه فيخسره مالاً او يفوت عليه ربحاً من صفقة أو ما شاكل..
وهذا غير صحيح فإنه ما ترك عبد شيئاً لله واحتياطاً في دين الله إلا عوضه الله خيراً منه في دنياه وآخرته.
فـ عن النبي صلى الله عليه واله : “إنك لن تدع شيئاً اتقاء لله عز وجل إلا أعطاك الله خيراً منه”.
والملاحظ أن النبي صلى الله عليه واله لم يقل أفضل الأعمال الصلاة والدعاء وقراءة القرآن والمستحبات والنوافل وهي مما يتنافس عليها المؤمنون في شهر رمضان بل قال: “أفضل الأعمال الورع عن محارم الله”..
وهذا يوحي بأن ما ينبغي التنافس عليه بين المؤمنين في شهر رمضان ليس العبادات والمستحبات فقط بل اجتناب الحرام وترك الشبهات والاحتياط في الدين والإلتزام والتقيد بالأحكام الشرعية ومراعاة الحلال والحرام والخوف من الله وغضبه وسخطه يجب أن يكون التنافس فيمن يكون أكثر من الآخر في هذا الشهر ورعاً واجتناباً للمحرمات ومن أكثر من الآخر تركاً للشبهات واحتياطاً في الدين ومن يكون أكثر من الآخر تقيداً والتزاماً ومراعاةَ لأحكام الله هذا هو ما ينبغي ان يكون محالاً للتنافس بين المؤمنين في شهر رمضان إضافة الى التنافس في العبادات والطاعات، والأعمال الصالحات .