من المعالم البارزة لشيعة أهل البيت (سلام الله عليهم) أنهم أثناء أداء مناسك الحج والعمرة وفي طريقهم من المواقيت إلى مكة يبرزون من تحت السقوف والظلال ويعرّضون أنفسهم لأحوال الجو المختلفة كالشمس والمطر والبرد والحر متبعين بذلك أئمتهم (سلام الله عليهم)، وهم بلّغوا ذلك عن جدهم رسول الله (صلى الله عليه وأله وسلم).
وقد سجل هذا التفرد السيد المرتضى في كتابه الانتصار الذي خصصه لذكر ما انفردت به الشيعة من إحكام الشريعة فقال: ((ومما يُظّن انفراد الإمامية به ولهم فيه موافق القول بأن المحرم لا يجوز له أن يستظلَّ في محمله من الشمس إلا عن ضرورة، وذهبوا إلى أنه يفدي ذلك إذا فعله بدم، ووافق مالك في كراهية ذلك إلا أننا ما نظنُّه يوجب فعله شيئاً، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك والحجة فيه إجماع الطائفة)).
ويظهر من الروايات ان أئمة أهل البيت (عليهم السلام) تعرضوا بسبب هذا التمييز الذي عرفوا به إلى السخرية والاستهزاء من السائرين بركاب السلطة عدة مرات، فقد (سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بمحضر من الرشيد وهم بمكة فقال له: أيجوز للمحرم أن يظلل عليه محمله؟ فقال له موسى (عليه السلام): لا يجوز له ذلك مع الاختيار، فقال له محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختاراً؟ فقال له موسى (عليه السلام) نعم. فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك، فقال له أبو الحسن (عليه السلام) أتعجب من سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتستهزئ بها؟ إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كشف ظلاله في إحرامه، ومشى تحت الظلال وهو محرم، إن أحكام الله يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضلَّ سواء السبيل، فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جواباً).
والحكم في الجملة مجمع عليه عدا ما نقل عن ابن الجنيد الاسكافي أنه قال: ((يستحب للمحرم أن لا يظلّل على نفسه، لأن السنة بذلك جرت)) واستشكل المحقق السبزواري في أصل الحكم قال: ((والمسألة عندي محل إشكال)).
ويبدوا أن قولهما هذا ناشئ من بعض القرائن التي فهموا منها الترخيص وحملوا عليها الروايات الصريحة بالنهي عن التظليل ووجوب الإضحاء، باعتبار أن مقتضى الصناعة ذلك. منها: صحيحة الحلبي، (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يركب في القبّة، فقال: ما يعجبني ذلك الا ان يكون مريضاً) ومحل الشاهد قوله (عليه السلام) (ما يعجبني).
وقد اختلف الفقهاء فيما يجب التظليل منه على أقوال:
1- اختصاص حرمة التظليل بالتستر من الشمس قال السيد الخميني (قدس سره): ((جلوس المحرم حال طي المنزل في المحمل وغيره مما هو مسقف إذا كان السير في الليل خلاف الاحتياط وإن كان الجواز لا يخلو من قوة، فيجوز السير محرماً مع الطائرة السائرة في الليل)) وألحق بعضهم بها المطر فلا يحرم في الليل إذا لم يكن هناك مطر.
2- تعميم الحكم إلى كل ما من شأنه التظليل منه فيعم الشمس والمطر والبرد والريح ونحوها ولا تحرم إذا كان وجود التظليل كعدمه، والتزم به السيد الخوئي (قدس سره)، قال: ((المراد من الاستظلال التستر من الشمس أو البرد أو الحر أو المطر ونحو ذلك، فإذا لم يكن شيء من ذلك بحيث كان وجود المظلة كعدمها فلا بأس بها)). وهو مختار السيد الشهيد الصدر الثاني (قدس سره). والشيخ الفياض (دام ظله)
3- إطلاق الحكم لكل الأزمنة والأحوال ولعله مختار السيد الشهيد الصدر الأول (قدس سره) حيث أطلق حرمة التظليل على الرجال ولم يفصّل بأي شيء.
والقول المختار لسماحة الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) مغاير لجميع هذه الأقوال لأنه يعتقد أن المستفاد من الروايات أن المطلوب من المحرم هو وجوب الإضحاء، أما حرمة التظليل فإنها من لوازمه وآثاره لذا لو أمكن تحقيق الإضحاء الذي هو بمعنى البروز والظهور من كل ما يكنّه ويضمّه ويحتويه فهو كافٍ وأن تستّر من الشمس ونحوها وإنما تلاحظ حرمة الاستتار والاستظلال بمقدار منافاته للإضحاء.
وقد دلت على الحكم روايات معتبرة كثيرة وبتعابير مختلفة فقد نهت بعضها عن الركوب في القبة والكنيسة وأمرت أخرى بالإضحاء ونهت طائفة عن التستر عن الشمس ونهت أخرى عن التظليل وهكذا.
وسنذكر جملة منها بإذن الله تعالى:
1- صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: (سألته عن المحرم يركب القبة؟ فقال: لا، قلت: فالمرأة المحرمة؟ قال: نعم).
2- صحيحة عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام) أظلِّل وأنا محرم؟ قال: لا، قلت: أفأظلل وأكفّر؟ قال: لا، قلت: فإن مرضت؟ قال: ظلّل وكفّر، ثم قال: أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما من حاج يضحّي ملبّياً حتى تغيب الشمس الا غابت ذنوبه معها).
4- صحيحة هشام بن سالم (قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يركب في الكنيسة؟ قال: لا، وهو للنساء جائز).
وتضاف إلى هذه المجموعة من الروايات مجموعة أخرى يُفهم منها بالدلالة الالتزامية حرمة التظلل اختياراً وهي التي رخّصت بالتظليل من علة وأوجبت على المحرم الكفارة، وإن كنا لا نقول بالملازمة المطلقة بين وجوب الكفارة وحرمة الفعل لكننا نقول أنها مستفادة في هذا المورد وبحسب القرائن، ومن هذه الروايات:
1- صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال (سألته عن المحرم يظلّل على نفسه، فقال: أمن علة؟ فقلت: يؤذيه حر الشمس وهو محرم، فقال: هي علة يظلّل ويفدي).
2- صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: (قلت للرضا (عليه السلام): المحرم يظلل على محمله ويفدي إذا كانت الشمس والمطر يضَّران به، قال: نعم، قلت: كم الفداء؟ قال: شاة).
3- صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال (سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس وأنا اسمع، فأمره ان يفدي شاة، ويذبحها بمنى).
4- صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن أبي الحسن مثله إلا انه قال: في أذى من مطر أو شمس أو قال: من علّة وزاد وقال: نحن إذا أردنا ذلك ظلّلنا وفدينا).
تضمنت الروايات حكمين: وجوب الإضحاء وحرمة التظليل:
الأولـى: في وجوب الإضحاء وحاصلها: أن المأمور به في الروايات أي الحكم الأصلي الصادر من المعصوم (عليه السلام) بحق المحرم هو وجوب الإضحاء أما حرمة التظليل بتفاصيلها فكانت من التفريعات والملازمات والموارد الجزئية لأصل الحكم ومثلها لا يحدد الحكم ولا يقيّده وهذا شأن طبيعي حينما يلقى حكم كلي فان الناس يسألون عن تطبيقاته وجزئياته والمفروض ان يؤخذ الحكم من أصل الأمر لا من الأسئلة التي يلقيها المكلفون. واستفادة الحكم من الفرع (أي حرمة التظليل) لا من الأصل (أي وجوب الإضحاء) هو أحد مناشئ الاختلاف والتشتت والابتعاد عن المفاد الصحيح للروايات حيث ذهبوا إلى معاجم اللغة لمعرفة معنى التظليل وحدوده وهل هو خاص بالتستر من الشمس أم أعم من ذلك ونحوها، بينما المطلوب وجوب الإضحاء وإنما كان التظليل محرماً لمنافاته لوجوب الإضحاء وإخلاله به، ولو لم يكن كذلك فلا حرمة كما لو تعمد السير تحت الغيمة الحاجبة عن الشمس ويتحرك بحركتها أو كان يسير في ظل المحمل أو يستر بعض جسده ببعض كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
والإضحاء يعني البروز والظهور واعتزال الظل والكِن، قال ابن الأثير (ومنه حديث ابن عمير: (رأى محرماً قد استظل، فقال: أضح لمن أحرمت له) أي اظهر واعتزل الكن والظل) وذكر شواهد أخرى على أن الإضحاء يعني الظهور والبروز وانتفاء الحائل ولا يختص بالظهور والتعرض للشمس وإنما تم التركيز عليه لأنه أوضح الأفراد والمصاديق.
فالواجب هو البروز والظهور للسماء واستشعار عدم وجود حاجب بينه وبين الله تعالى لأنس الإنسان بالماديات والأمر غير مرتبط بما يظلَّل منه حتى يحصل الاختلاف في دائرته سعة وضيقاً ولا حاجة إلى تحكيم كلام اللغويين في المقام بعد وضوح المعنى المراد من الروايات. وإنما المطلوب الإضحاء بنفسه لله تبارك وتعالى من دون ملاحظته بالنسبة لأي شيء آخر.
أما ما ورد من حديث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ثواب الإضحاء فقد ذكر للترغيب والحث على الفعل لما فيه من الثواب وليس للتقييد بالتعرض للشمس خاصة كما قيل.
وممن التفت إلى هذا المعنى الشهيد الأول في الدروس قال ((فرع، هل التحريم في الظل لفوات الضحى أو لمكان الستر؟ ففيه نظر لقوله (عليه السلام) (أضح لمن أحرمت له) والفائدة فيمن جلس في المحمل بارزاً للشمس، وفيمن تظلّل به وليس فيه) وفي كشف اللثام (يعني يجوز الأول على الثاني دون الأول والثاني وبالعكس).)).
الثانية: التظليل هو الآخر يعني في اللغة مطلق التستر والتغطية، قال ابن فارس ((إن هذا الأصل يدل على ستر شيء لشيء وهو الذي يسمى الظل وكلمات الباب عائدة إليه)) ولا تختص بالتستر من الشمس وإنما ارتبط التظليل بها لأنها الفرد الأغلب فيما يتستر منه. ولو سلمنا اختصاصها بالشمس فقد قلنا ان الملحوظ في الحكم هو وجوب الإضحاء وهو عام، أما حرمة التظليل فقد كانت من التطبيقات. كما ان الروايات تضمنت إطلاق حرمة التظليل الشاملة للشمس ولغيرها فلا تختص بها.
انظر موسوعة فقه الخلاف لسماحة الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) ج7, ص 115 , والصادر عن دار الصادقين 1441 هـ – 2020م.
يمكنك الاشتراك أيضا على قناتنا في منصة يوتيوب لمتابعة برامجنا على: قناة النعيم الفضائية